محمد بن علي الشوكاني
385
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بقصده وزيارته ، والدعاء عنده ، والتوسل به ، وأنت إن رجعت إلى نفسك وسألتها عن هذا المعنى فربما تقر لك به وتصدقك الخبر ، فإن وجدت عندها هذا المعنى الدقيق الذي هو بالقبول منك حقيق فاعلم أنه قد علق بقلبك ما علق بقلوب عباد القبور ، ولكنك قهرت هذه النفس الخبيثة عن أن تترجم بلسانك عنها ، وتنشر ما انطوت عليه من محبة ذلك القبر ، والاعتقاد فيه ، والتعظيم له ، والاستغاثة به ، فأنت مالك لها من هذه الحيثية ، مملوك لها من الحيثية التي أقامتك من مقامك ، ومشت بك إلى فوق القبر ، فإن تداركت نفسك بعد هذه وإلا كانت المسئولة عليك المتصرفة فيك المتلاعبة بك [ 57 ] في جميع ما تهوى مما ما قد وسوس به لها الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس . فإن قلت : رجعت إلى نفسي فلم أجد عندها شيئا من هذا ، وفتشتها فوجدتها صافية من ذلك الكدر . فما أظن الحامل لك على المشي إلى القبر إلا أنك سمعت الناس يفعلون شيئا ففعلته ، ويقولون شيئا فقلته . فاعلم أن هذه أول عقدة من عقد توحيدك ، وأول محنة من محن تقليدك ، فارجع تؤجر ، ولا تتقدم تنحر ، فإن هذا التقليد الذي حملك على هذه المشية الفارغة العاطلة الباطلة سيحملك على أخواتها فتقف على باب الشرك أولا ، ثم تدخل منه ثانيا ، ثم تسكن فيه وإليه ثالثا . وأنت في ذلك كله تقول : سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ، ورأيتهم يفعلون أمرا ففعلته . [ أحوال الذي يقصد القبر ليدعو عنده ] وإن قلت : إنك على بصيرة في عملك وعلمك ، ولست ممن ينقاد لهوى نفسه كالأول ، ولا ممن يقهرها ، ولكنه يقلد الناس كالثاني ، بل أنت صافي السر ، نقي الضمير ، خالص الاعتقاد ، قوي اليقين ، صحيح التوحيد ، جيد التمييز ، كامل العرفان ، عالم بالسنة والقرآن ، فلا لمراد نفسك اتبعت ، ولا في هوة التقليد وقعت ،